النهضة تخرج من قشرتها …قراءة في تاريخ الحركة

images

من المنتظر ان تكون الفترة ما بين 20 و 22 ماي الاكثر تحولا في تاريخ حركات الاسلام السياسي متمثلا في حركة النهضة الاكثر صمودا و حنكة من بين كل الحركات الاسلامية

 في مؤتمرها العاشر الذي ستعقده في القاعة الاولمبية برادس و الذي يتوقع ان يحضره حوالي 1200 مشاركا بالاضافة الى اعداد هامة من الشخصيات الوطنية و العربية و الدولية و ما يقارب 1100 متحزبا تمت دعوته لحضور فعاليات المؤتمر العاشر للنهضة الذي سيكون التغيير الجذري و المنعرج في تاريخ الاحزاب العقائدية في المنطقة و هو ما قد ينعكس عن التصورات الفكرية و السياسية لكل من يتبنى منهج التنظيمات ذات المرجعية الدينية و خيارات الاسلام السياسي .

المؤتمر العاشر لحركة النهضة

بعد تصريح رئيس الحركة راشد الغنوشي بوجوب تحول الحركة من جماعة غلب على منهجها الاحتجاج الى حركة تقود الدولة و تؤسس فكرة الدولة يمكن ان نفهم الرسالة السياسية التي وجهها زعيم الحركة و ما ادراك ما الزعامة في مثل هذه الحركات الدينية انه سيتم التخلي نهائيا عن الجانب الدعوي و الثقافي و الاجتماعي للحركة اي انها ستتحول الى حزب سياسي لكن يبقى ذو مرجعية اسلامية و سيتم التخلي عن باقي انشطتها لصالح الجمعيات المدنية للحركة .

و من المرجح ان يتم تغيير اسم الحركة ايضا و بالتالي فيه تبحث عن هوية جديدة تتماشى و وضعها السياسي الحالي فهي الحزب الاقوى و الاكثر تنظيما في تونس بشهادة الاحداث السياسية في تونس

و من الدلالات الرمزية لتغيير الاسم و فصل الدعوي عن السياسي يرنوا قادة النهضة الى القطع نهائيا مع ماضي الجماعة و العنف و السرية و التاسيس الى حزب حاكم و قوي … نعم تلك هي حلاوة السلطة و متعة القيادة و النفوذ فتلك الجماعة البسيطة التي كانت تتحرك كالفئران و زج باغلبها في السجون و هجر الباقي الى الخارج صارت اليوم القوة السياسية الاولى في تونس و من يحكم و من يسير كل دواليب الدولة فكيف لها ان لا تتغير

 تاريخ الحركة منذ نشاتها مرورا باولى ممارستها للسلطة و مسيرتها نحو التغيير و موقفها من الحركات الاسلامية و الاخوان المسلمين 

البدايات

رجع بدايات الحركة إلى أواخر الستينات تحت اسم الجماعة الإسلامية التي أقامت أول لقاءاتها التنظيمية بصفة سرية في أبريل 1972 . من أبرز مؤسسيها أستاذ الفلسفة راشد الغنوشي والمحامي عبد الفتاح مورو والدكتور المنصف بن سالم وإنضم إليهم لاحقا عدد من النشطاء من أبرزهم صالح كركر، حبيب المكني، علي العريّض. اقتصر نشاط الجماعة في البداية على الجانب الفكري من خلال إقامة حلقات في المساجد ومن خلال الانخراط بجمعيات المحافظة على القرآن الكريم . لقي نشاط الجماعة في الأول ترحيبا ضمنيا من طرف الحزب الاشتراكي الدستوري (الحزب الواحد آنذاك)، الذي رأى في الحركة الإسلامية سندا في مواجهة اليسار المهيمن وقتئذٍ على المعارضة. وفي عام 1974 سمح لأعضاء الجماعة بإصدار مجلة المعرفة التي أصبحت المنبر الفعلي لأفكار الحركة. في أغسطس 1979 أقيم بشكل سري المؤتمر المؤسس للجماعة الإسلامية تمت فيه المصادقة على قانونها الأساسي الذي انبنت على أساسه هيكلة التنظيم.

صدامات الثمانينات

أقامت الجماعة مؤتمرها الثاني (بشكل سري أيضا) في مدينة سوسة يومي 9 و10 أفريل 1981 في نفس الفترة الذي عقد فيها الحزب الاشتراكي الدستوري مؤتمره الاستثنائي الذي أعلن فيه الرئيس الحبيب بورقيبة أنه لا يرى مانعا في وجود أحزاب أخرى إلى جانب الحزب الحاكم. أقر المؤتمر الثاني للحركة ضرورة اللجوء إلى العمل العلني كما أقر تغيير الاسم ليصبح “حركة الاتجاه الإسلامي”. تم الإعلان عن الحركة بصفة علنية في  1981 أثناء مؤتمر صحفي عقده الغنوشي وعبد الفتاح مورو. تقدمّت الحركة في اليوم نفسه بطلب إلى للحصول على اعتماد رسمي دون أن تتلقى أي رد من السلطات . في  1981 ألقت السلطات القبض على قيادات الحركة ليقدموا في شهر سبتمبر للمحاكمة بتهم: الانتماء إلى جمعية غير مرخص بها، النيل من كرامة رئيس الجمهورية‏، نشر أنباء كاذبة، توزيع منشورات معادية . حكم على الغنوشي ومورو بالسجن لعشر سنوات ولم يفرج عن الأول إلا في 1984 إثر وساطة من الوزير الأول محمد مزالي في حين أطلق سراح الثاني عام 1983. شهد عام 1985 تحسنا في علاقة الحركة بالحكومة التي سمحت بإنشاء الاتحاد العام التونسي للطلبة المقرب منها، وفي أكتوبر استقبل محمد مزالي الغنوشي ومورو بعد القصف الإسرائيلي لحمّام الشط. مع اقالة مزالي في 1986 بدت بوادر الصدام مع السلطات فلجأ مورو إلى السعودية، وفي مارس 1987 القي القبض على الغنوشي في حين اتهمت الحكومة التونسية إيران بتمويل الحركة. شهدت الصدامات أوجها سنة 1987 مع الحكم على الغنوشي بالأشغال الشاقة مدى الحياة وإتهام الحكومة للحركة بالتورط في التفجيرات التي استهدفت 4 نزل في جهة الساحل.
يشتبه تورط حركة النهضة في أعمال عنف منها الاعتداء إلى شعبة التجمع الدستوري الديمقراطي في باب سويقة في 17 فيفري 1991 وكذلك تفجيرات نزل في سوسة والمنستير سنة 1986 مما أسفر على جرح 13 سائحاً. وقد اعترفت الحركة بمسؤوليتها عن أحداث باب سويقة فقط في فيفري 2011 معتبرة أنها (أخطاء فردية) من قبل بعض شباب الحركة الذين كانوا يعانون من القمع وفي ظل غياب قيادات الحركة سواء بالنفي أو بالسجن.

حكم زين العابدين بن علي وما بعد سقوطه

رحبت الحركة بالإطاحة بالرئيس بورقيبة في 7 نوفمبر 1987 ، فيما قام النظام الجديد منذ الأشهر الأولى بالإفراج عن أغلب أعضاء الحركة المسجونين. في 7 نوفمبر 1988 كانت الحركة من الموقعين على وثيقة الميثاق الوطني التي دعى إليها الرئيس بن علي كقاعدة لتنظيم العمل السياسي في البلاد. شاركت الحركة في الانتخابات التشريعية في 1989 تحت لوائح مستقلة متحصلة (حسب النتائج المعلنة) على حوالي 13% من الأصوات . في 1989 غيرت الحركة اسمها إلى “حركة النهضة” للتقيد بقانون الأحزاب الذي يمنع “إقامة أحزاب على أساس ديني” إلا أن طلبها بالترخيص جوبه بالرفض من طرف السلطة. في 28 مايو 1989 غادر راشد الغنوشي البلاد في إتجاه الجزائر، وقد تولى الصادق شورو رئاسة المكتب السياسي للحركة منذ أبريل 1988. بداية من سنة 1990 إصطدمت الحركة بعنف مع السلطة وقد بلغت المواجهة أوجها أثناء أزمة حرب الخليج. في مايو 1991 أعلنت الحكومة إبطال مؤامرة لقلب نظام الحكم واغتيال الرئيس بن علي. شنت قوات الأمن حملة شديدة على أعضاء الحركة ومؤيديها وقد بلغ عدد الموقوفين 8000 شخص . في 1992 حكمت محكمة عسكرية على 256 قياديا وعضوا في الحركة بأحكام وصلت إلى السجن مدى الحياة. واصلت السلطة في السنوات التالية ملاحقتها للمنتمين للحركة وسط انتقادات واسعة من جمعيات حقوق الإنسان. رغم الإفراج عن أغلب عناصرها المسجونين بقيت نشاطات الحركة محظورة بشكل كلي في تونس واقتصر نشاطها المعروف على أوروبا وأمريكا الشمالية في أوساط التونسيين في الخارج حتى سقط حكم بن علي.

الثورة وحتى الانتخابات

واكبت حركة النهضة الثورة التونسية، جزء كبير من قيادييها إما كانوا في الخارج في المنفى أو في السجون، مع عدد قليل كان حرا ولكن تحت المراقبة. القياديين الذين كانوا في الخارج مثل راشد الغنوشي ولطفي زيتون ورفيق عبد السلام وحسين الجزيري وصالح كركر وغيرهم واصلوا دعم المتظاهرين كما فعلوا قبل الاحتجاجات، ونظموا عدة وقفات ومسيرات في إطار جمعياتي. من جهة أخرى كان عدد كبير من قياديي الحركة في تونس في السجن ولم يتسنى لهم المشاركة في الثورة، سوى بعضهم في الأيام القليلة الأخيرة عندما تمتعوا بالعفو التشريعي العام.
قياديون آخرون كانوا خارج السجن وشاركوا في الثورة ومسيراتها وهم أساسا من المحامين، ومنهم عبد الفتاح مورو وسمير ديلو ونور الدين البحيري وحمادي الجبالي وعلي العريض.
بعد الثورة، بدأت الحركة في لم شملها وتنظيم مكوناتها، وتقدمت بطلب ترخيص حزب لدى وزارة الداخلية، وتحصلت عليه في 1 مارس 2011. شاركت الحركة في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي بثلاثة أعضاء. في نفس الوقت بدأت الحركة بتكوين مكاتبها الجهوية والمحلية، وبدأت بعقد اجتماعات في جميع نواحي البلاد. في هذه الفترة بين الثورة وأول انتخابات، شاركت النهضة في العديد من الندوات السياسية والاجتماعات التي تعقد في تونس، سواء أكانت ذات طابع محلي أو دولي.

إنتخابات 2011

إثر الإعلان عن نتائج انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التونسي، فازت حركة النهضة ب89 مقعدا من أصل 217 أي حوالي 42% من المقاعد، ودخلت في ائتلاف حاكم مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات و أطلق عليه الترويكا.
إنضم لاحقا نائب أخر لكتلة حركة النهضة في المجلس التأسيسي, و أصبحت حركة النهضة الحزب الوحيد في المجلس التأسيسي الذي لم ينشق عنه أي عضو، أو لم يتم حله أو إندماجه لحزب أخر
تحصلت حركة النهضة على المركز الأول في كل دوائر تونس داخليا وخارجيا، إلا في دائرة سيدي بوزيد فقد جائت خلف العريضة الشعبية في المركز الثاني.

انتخابات 2014

في الانتخابات التشريعية التونسية 2014 التي أقيمت في 26 أكتوبر 2014، فازت حركة النهضة بالمرتبة الثانية ب69 مقعد من جملة 217 خلف حزب نداء تونس الذي فاز 85 مقعد وذلك بعيدا خلف بقية الأحزاب. تحصلت النهضة في الدوائر ال33 إما على المرتبة الأولى أو الثانية إلا في دائرة ألمانيا التي كان فيها مقعد واحد ذهب لنداء تونس.
دخلت النهضة بعد ذلك إلى مجلس نواب الشعب أين دخلت في الإئتلاف الحاكم وذلك في حكومة الحبيب الصيد المستقل بوزير وثلاثة كتاب دولة.
لم تشارك النهضة في الانتخابات الرئاسية التونسية 2014، ولم تدعم أي مرشح في الدورة الأولى وكذلك بقيت على الحياد في الدورة الثانية بين المرشحين الإثنين، ولكن ذكرت عدة مصادر أن قواعد حركة النهضة قد صوتت بكثافة للرئيس المنتهية ولايته المنصف المرزوقي في الدورتين، ومع ذلك فاز الباجي قائد السبسي بالرئاسة
بعد سنة من الانتخابات، شهد حزب نداء تونس انقساما داخله ما أدى إلى استقالة جزء كبير من نوابه من الحزب ومن الكتلة، وهو ما أدى إلا أن تصبح حركة النهضة أكبر أحزاب مجلس نواب الشعب من حيث النواب.

موقع النهضة من الحركات الإسلامية

اليوم، تعتبر حركة النهضة مقربة من حزب العدالة والتنمية، الذي يترأسه رجب طيب أردوغان في تركيا . وتعتبر أيضا ذات توجه يميني في الجانب الإجتماعي، إلى جانب دعم معتدل للليبرالية الإقتصادية. ترفض الحركة أن يكون الإسلام السياسي الراديكالي شكلا من أشكال الحكم في تونس، حيث قال راشد الغنوشي خلال مناظرة مع منافس علماني:
«لماذا نحن أقرب إلى نموذج لا يزال بعيد عن تفكيرنا، مثل طالبان أو النموذج السعودي، في حين يوجد نماذج إسلامية أخرى ناجحة ومتألقة قريبة منا، مثل النموذج التركي، الماليزي أو الأندونيسي، نماذج تجمع بين الإسلام والحداثة »

النهضة والإخوان

الحركة لم تعلن نفسها في بيانها التأسيسي أنها مرتبطة بالإخوان ولم تنف ذلك أيضا. تقول بعض المصادر أن الحركة قامت على منهج وفكر الإخوان المسلمين لكن الصحفي صلاح الدين الجورشي يذكر أن رئيس الحركة راشد الغنوشي يعتبر حركة الإخوان حليف ولكنها ليست مرجعية. كما تصنفها مصادر على إنها إخوان تونس كما أن رئيس الحركة ومؤسسها راشد الغنوشي عضو مكتب الإرشاد العالمي لجماعة الإخوان المسلمين

قراة سياسية لحركة النهضة 

خاضت حركة النهضة صراعات مع مختلف السلط المحلية في تونس و الخارج و كادت هذه الصراعات ان تعصف بالحركة و تنهي وجودها الا ان دهاء قادتها يجعلها كل مرة تولد من جديد باكثر نظام و ثبات و مكرا سياسيا و تعتبر التغييرات التي ستقوم بها الحركة في مؤتمرها العاشر ضربا من ضروب التغيير و الانبعاث من جديد و تجاوز فشلها في ادارة شؤون البلاد ما بين 2011 و 2014 و تورطها في توفير الغطاء السياسي للتيارات السلفية و الارهابية و مدهم بالدعم المادي و اللوجستي الى ان انقلبت عليهم بعد سيناريو مصر الاخوان و السيسي تفطنت الحركة انها تشارف على الهلاك فاختارت ان توتونس نفسها و تعيد التشكل من جديد باكثر سلاسة و واقعية تخدم استمرارها في مقدمة الحكم .